• من
    من أجل بعض الكرامة في الموازنة العامة
    الكلمات : 691
  • أبعاد
    أبعاد العدوان على فنزويلا
    الكلمات : 1413
  • مجموعة
    مجموعة QNB: البيانات المالية للتسعة أشهر المنتهية في 30 سبتمبر 2018
    الكلمات : 489
  • الجيش
    الجيش السوري يوسع سيطرته في بادية السويداء
    الكلمات : 154
  • هذه
    هذه ازمنة رثة وفادحة
    الكلمات : 1008
عضوية الموقع
البريد الالكتروني
كلمة المرور
بحث متقدم
المقالة
النوع
البلد
هــل تســتحمُّ الحقيقــةُ فــي النهــرِ مرَّتَيــن؟
خبرأونلاين
خبرأونلاين
هو من أهل اليقين، وأنا من أتباع الهوى، فكيف تستقيم لي شهادة، وما معنى أن أبدي رأيًا، وكيف أصيب إن كتبت؟
ناصيف نصّار، في مساره الفلسفيِّ، أصل لا فرع. قائم بذاته لا بسواه. فريد في مقام التميُّز. سلطة عمادها العقل. فيلسوف يشتغل على المعرفة ويصون حقائقها، باندفاع لا هوادة فيه، وبثقة عامرة.
ناصيف نصّار يتوغَّل ويصل. يكشف عن المعاني بدقَّة التحديد وصرامة المنطق وبيان البراهين وصدق العقل ووسع الاطِّلاع وبراعة التحليل ودقَّة المقارنات وبيان الفروقات... يرسو على ما يبدعه من معانٍٍ لحقائق متعدِّدة. يقبض عليها ويأسرها في نصٍّ محكم، دقيق الدلالات، ثريِّ الإحالات، لا ثرثرة لغويَّة فيه ولا تشتُّت أو تبعثر، بل صوغ فريد، يتَّسم، على عمق معانيه، بسهولة التواصل والإبلاغ... ناصيف نصّار، يشبك الصعب والعميق بلغة تتبسَّط وتتَّصل وتتَّضح، فتصل بلا غبش الغموض، فيتلقّاها القارئ بيسر، لنأيها عن التعقيد، ما يؤهِّله، كقارئ، أن يؤمَّ، بشغف الاكتشاف، الأماكن البكر التي يرتادها الفيلسوف، ويفتتحها لتكون مشرَّعة للفهم والتأويل والاغتناء، على تصديق مرتجى، أو نقد، قلَّما أجاده من تناول فلسفته.
ناصيف نصّار، هذا الفيلسوف وقد اكتملت هوِّيَّته وكنيته هذه من خلال ما أنتج، هو من أهل اليقين والثبات فيه. هو من أهل الكشف عن الحقائق ومراودتها بالمنطق والحجَّة والاقتناع، ومثبت جدارتها بأهليَّتها للوجود والإقامة في الوعي. هذا الصعب جدًّا، مقنع جدًّا... فمن أين المفرّ؟

أهل اليقين

هو من أهل اليقين. نوره مقذوف في صدره، ونوره منه لا من سواه. فكيف أتقدَّم منه، وأنا من أهل الهوى؟ هو ثابت في ما صاغه من جديد المعاني والمفاهيم والقضايا، وأنا أحيا على شطح دنيويٍّ، مادِّيٍّ حتّى الفناء في المادَّة. أتبدَّد إذ أتعدَّد. أنوجد إذ أنعدم. التهافت نهج أستسيغه. الحواسُّ حصون أقيم فيها ظلالي، وأحتفل بالغياب. وفي هذا المقام، لا مستقرَّ لي.
فكيف تستقيم كتابة وقد تأخَّر نور يُقذف في صدري، ليقنعني بأنَّ العقل سيِّدي، ولا سيادة لسواه عليَّ؟ كيف تفهم شهادة منِّي، أنا الحائر القلق اللا مستقرَّ، لفيلسوف هو ناصيف نصّار يتوحَّد إذ يتحدَّد، وأوَّل العلم تحديد وأوَّل المنطق حدود؟
ومع ذلك، فلا بدَّ من محاولة يفرضها عليَّ احترامي الكبير لناصيف نصّار، ولأنَّه مكان لجوئي، عندما أخرج من شطط التنقُّل والسفر، لأستقرَّ في اليقين الضروريِّ، ولو إلى حين.
أقرأ ناصيف نصّار، فيأخذني بيسر إلى الحقائق. لا أعانده. أستسلم لكشوفاته المتَّصلة. أقرأه كتلميذ «يتفلسف» أحيانًا، ولا يجرؤ على الإفصاح عن أسئلته. أجبن في حضرته وأكتم أسئلتي. أخشى إن سألت أن يكتشف هشاشة معرفتي. فناصيف يتميَّز بما يلي: «من سؤالك أعرفك». من سؤالي قد يكتشف جهلي أو ارتباكي... أسمعه وأصغي إليه. كلام لا ينضب معانيَ وعمقًا. من أين لي حصانة اليقين وقد يكون سؤالي حمّال أخطاء، لا خطأ واحدًا؟ أواربه، كي يشرح أو يفسِّر أو يضيف، فاستقرُّ معه على ما قال. لذلك، لم أرتكب حماقة نقاش معه، فهو الأستاذ بما يعنيه فلسفيًّا وهو المعلِّم كذلك، واكتفيت برتبة التلميذ في ما يعنيني من حشريَّة المعرفة، متحصِّنًا بحرِّيَّة الإقامة الدائمة في التساؤل.
قلت: يقنعني ولا ألتزم. كتابته من الدقَّة في مستوى التماميَّة، بين اللفظة ودلالاتها. ينطلق نصُّه من الألف ليصل إلى الياء، عابرًا ما بينهما بدقَّة الانتقال المنطقيِّ، مستفيدًا من خصوبة معارفه في قيادة المعاني الجزئيَّة إلى تمام عموميَّتها وكلِّيّاتها. هو لا يترك جانبًا من جوانب المسألة التي يبحثها من دون عرض وتحليل ونقد وإغناء. فالفلسفة عنده ليست ركامًا بل عمارة اكتمل نصابها من الأعماق إلى السطوح... بين يديه تصير الكلمة منحوتة وموضوعة في سياقها، لا قبل ولا بعد، لا إقحام أو تلفيق... أنَّى لي أن لا أقتنع قناعة المستسلم لفقدان الحجَّة؟
ناصيف نصّار، من نصِّه تعرفه. ومن دقَّته وحذقه وحرفيَّته تدرك أنَّه هو لا سواه. فريد جدًّا هذا الرجل، سهل جدًّا، وفي المقام ذاته، هو صعب المنال وصعب المناقشة.
فكيف لي أن أكتب فيه ولست من سويَّته؟ أنا ابن ضلال، ومصرٌّ على أنَّ الضلالة معرفة أخرى، وعلى أنَّ الفلسفة بحث دائم عن حقيقة غير موجودة، وأنَّ الحقائق تعويض عن الوقائع، وأنَّ العالم كلَّه لعبة والحقائق دمى تتحرَّك... وأنا من هواة اللعب وتغيير الأدوار وتبديل النصوص.
لا يُوازى هذا الرجل. شيء من هالة يحيط به. قداسة المعاني والحقائق عنده لا تدانيها قداسة. لذلك تجرّأ على ما سلف من حقائق ومعتقدات، دنيويَّة ودينيَّة، على ما سلف من نظريّات اجتماعيَّة وسياسيَّة، وعلى ما سلف من إرث دينيٍّ حفر تنزيله في العقول كمن يحفر في الصخر. قرأها وناقشها ونازلها، هزَّها عن ثباتها، وجعلها تتحوَّل وتدور، بدلا من أن تكون من الثوابت التي تدور حولها التحوُّلات، لا فيها، كأنَّها معصومة عن التغيير.
هو ينتمي إلى أهل العقل، بكامل عدَّته وحججه وأدواته، وقد اغتنت بالفكر الاجتماعيِّ والاختمار التاريخيِّ والإرث الفلسفيِّ، واستجابت لمعاناة الحاضر العربيِّ والإنسانيِّ المأزوم. حاضر عربيٌّ مأزوم بجذوره المعرفيَّة المبالغة في تأصُّلها والمغتربة عن حداثة تعرَّف إليها وناوشها أو نقلها... ناصيف نصّار، من هنا منبته، ومن هنا فرادته، فلا تغرَّب على مذهب، ولا هو تشرَّق على معتقد. استقلَّ، وكان استقلاله الفلسفيُّ لبنة البدء بالنهضة التي أرادها ثانية، أو مرَّة أخرى بوضوح وبيان، فيما كثيرون في كلِّ وادٍ يهيمون، وليسوا بشعراء.
عودة إلى البداية المفترضة. تبريرًا لي وتأكيدًا عليه.
قبل المتابعة، أشرح ما جاء أعلاه:
أقرب خطٍّ بين نقطتَين هو الخطُّ المستقيم. إقليدس كان على حقّ. لا جدال في برهان مقنع وحاسم ونهائيٍّ، ولا عودة عنه. هنا، المنطق يؤيِّد، والواقع يبرهن. حقيقة إقليدس لا يأتيها الشكُّ في أيِّ وجه من وجوهها. يقين رياضيٌّ هندسيٌّ ليس فوقه يقين، وما دونه خطل... ولقد كنت مؤمنًا بذلك إلى أن حدث ما يلي:
كنت عائدًا من وهران في الجزائر، بعدما أمضيت فيها فصلاً، أدرس مادَّة منهج الملاحظة، وقادتني ملاحظاتي في الجزائر إلى معاينتي لعدد من الظواهر المتَّصلة بحقائق متقاربة. وما كنت أعي التعدُّد الكامن خلف كلِّ عنوان أو ظاهرة، بحيث بات عليَّ أن أتماسك بسبب التشظِّي الذي تتكفَّل فيه وقائع الحياة وأزمنتها وشعوبها. فلا الحبُّ هنا حبٌّ هناك، ولا الدين هنا دين هناك، ولا المرأة هنا امرأة هناك. منظومة عوالم تتشابك، لا رابط بينها غير اللغة، القاصرة عن القول، إلاّ في العموميّات.
صدف أن زارني أصدقاء يوم عودتي، والحرب تقرع الأبواب وتصدِّع القلوب، ودفعوا إليَّ كتاب نحو مجتمع جديد للدكتور ناصيف نصّار. قرأت الكتاب بنهم، فأنا قادم من بلاد تمَّ فيها تأميم العقل والمكتبات والكتب... تحمَّست للمجتمع الجديد. قلت: هذا كتاب نبني عليه. هذه حقائق نعمِّر بحجارتها وطنًا وبلادًا. فالبناء على العقل بداية حميدة، والتأسيس على المعرفة بناء مضمون، والالتزام بالنهضة يحتاج إلى قليل من العقائد وإلى كثير من العلم وشغف التغيير... غير أنَّ هذا «المجتمع الجديد»، كان يقتل كلَّ يوم، فالمجتمع تجمُّعات، والجديد أضغاث أفكار.
لقد احترق لبنان بكامله، ولم يكن احتراقه كلهب إيكاروس ولا كروح العنقاء. كان، كلَّما تقادم العنف فيه، يشبه طائر الهامة الجاهليَّ الذي يصرخ من جمجمة الموت: «اسقوني، اسقوني». وهكذا، فإنَّ لبنان الذي كان طائفيًّا، وتحقَّقت فيه نظريَّة ناصيف نصّار، التي رأت إلى الشموليَّة في الطائفيَّة، واعتبارها ظاهرة غير عابرة أو مضافة... هذا اللبنان، بات في ما بعد، يصدِّر الطائفيَّة ويصنعها ويهندسها ويعيد إنتاجها ويفلسفها وينشرها ويوزِّعها، بكلفة دمويَّة مثيرة للهلع.
بعد الحريق اللبنانيِّ، لم يعد لبنان طائفيًّا. باتت الطائفيَّة هي لبنان. لقد غلبت الطائفيَّة «المجتمع الجديد» الموعود وغلبت النهضة، واستقرَّت في مقام «الطائفيَّة الهدّامة».
مؤسف ألاّ تكون الحقائق هي الوقائع. مفجع أن تقتل «الطائفية البنّاءة» مؤلِّفها الكبير كمال يوسف الحاج. للقدر سخريات كثيرة. هذه واحدة بارزة.
مؤسف جدًّا أن لا يكون الخطُّ المستقيم هو الأقرب بين نقطتَين.
الحقيقة النقيَّة، الحقيقة الطيِّبة، الحقيقة الناصعة، والتي أجاد ناصيف نصّار تتويجها فلسفيًّا، واحتلَّت مكانها في الفكر العربيِّ وتبوّأت جدارتها واستقرَّت متعالية عن عتوِّ الواقع والوقائع، كانت على خلاف مع الحقائق الجدِّيَّة، المجسَّدة والمتماسكة، والتي أفرزها مسار اجتماعيٌّ وجعلها مرتكزًا لتاريخ خاصٍّ (قد يكون عامًّا؟). لقد غلبت الوقائع الحقائق، لقد غلب الخطأ الصواب. لقد غلب التاريخ الفكر.
هل أنا مخطئ؟
طبعًا. أنا على خطأ. لكنَّ الخطأ هو القاعدة، وهذا ما يجعلني مقيمًا خارج الفلسفة. إلى الصواب أشتهي انتمائي، وبالخطأ أقتنع، وهذه هي مشكلتي: انفصام بنّاء، بين صواب مهاجر وخطأ مقيم. بين صواب، لو تولَّد أجاد، وخطأ مكثار، لو تعقَّم لاهتديت.

مقام ناصيف نصّار

ما هو مقام ناصيف نصّار؟
هو في مقام الصواب. فيلسوف، ولا شكَّ في ذلك. أصيل، ولا برهان على العكس. صادق، لا تكذِّب كتبه بعضها بعضًا، ولا تتهرَّب نصوصه من انتمائها إلى بنائه الفلسفيِّ ومنهجه التتبُّعيِّ والاستقصائيِّ والتحليليِّ، كثير الثراء. وهو ليس غريبًا أو متغرِّبًا. بلاده وشعوبها، تجدها في البواعث والآمال. هو فيها بما هي عليه وبما يجب أن نكون عليه مستقبلاً. لصيق أمَّته ظلّ. نهضويٌّ لا يكلّ. نقديٌّ لا يتعب. ومؤمن بالنهضة ثانية وقد.. ثالثة، ولو غدر بها أهلها من نخب وأحزاب وقوى... ينطلق من هوِّيَّة تتأصَّل في أرض وشعب وثقافة، تغتذي منها وممّا يرد إليها وما يفترض أنَّه يساعدها على النهوض. هوِّيَّته، ليست أسيرة معتقد أو دين، لأنَّ فلسفته ليست حكرًا على حيِّز، بل دعوة إلى إنسانيَّة راقية وحقيقيَّة.
لا تكفيه الكلمات كشهادة. ولا يكفيه التكريم كشكر. يكفينا، أنَّه غدنا الدائم، أو، هكذا هو المفترض، لأنَّ ماضينا المتَّصل بحاضرنا أخذنا إلى الجاهليَّة، جاهليَّة العلم والمعرفة والمعتقد والانتماء، وإلى بربريَّة الحداثة وحشودها الاستلابيَّة.
خطأ القول إنَّنا نقتات من ماضينا. القول السليم: إنَّ ماضينا التهم حاضرنا. ماضينا أكثر حضورًا في أيّامنا. أمّا المستقبل، فلا حول ولا...
ناصيف نصّار هو غدنا، إذ يستحيل عليه أن يكون حاضرنا.
وقبل الكلام الأخير، عودة إلى إقليدس:
«الخطُّ المستقيم، ليس أقرب خطٍّ بين نقطتَين. لقد كان إقليدس يقينيًّا جدًّا ومقنعًا جدًّا، إنَّما، لم يكن على صواب.
في مسرحيَّة «غاليليو غاليلي» لبرتولت برشت مشهد يظهر فيه تلامذة غاليلي، وهم يصلُّون ويتضرَّعون كي لا يتراجع أستاذهم عن الحقيقة التي اكتشفها. أثبت غاليلي أنَّ الأرض تدور حول الشمس. وكان تلميذه أندريا من أشدِّ المتحمِّسين لهذه الحقيقة، وأشدِّ المراهنين على غاليلي. إلاّ أنَّ أقبية التعذيب وشبح الحكم عليه بالموت جعلا غاليلي يتراجع ويقبل تلاوة بيان الاعتذار والندم، أمام محكمة كنسيَّة مبرمة الحقائق الدينيَّة.
يجنُّ أندريا. يغضب من أستاذه. يزوره في سجنه ويصرخ في وجهه: «غاليليو غاليليو. لماذا أنكرت الحقيقة؟». يهزُّ غاليليو رأسه ويقول: «أندريا... لقد كان إقليدس على خطأ. إنَّ أقرب خطٍّ بين نقطتَين، هو الخطُّ المتعرِّج».
وما بين إقليدس وخطِّه المستقيم، وغاليليو وخطِّه المتعرِّج أقيم. بين برج العقل وينابيع الحياة، أسكن.
وعند هذا المقام أتوقَّف:
ناصيف نصّار في مقام الحقائق، وأنا في مقام الهوى، أتشهّى دائما بلوغ مقام الحقائق... وأنّى لي ذلك؟ أنا المسكون بالحواسِّ الخمس، والحواسِّ الساكنة فيَّ. وقتي مشغول بأحاسيسي ومشاعري وعواطفي وغرائزي وجنسي وحاجاتي. وقتي ممسوك بحواسِّي التي لا تشبع إحساسًا. وقتي مشغول بأحلام تراودني وأراودها. أتصوَّف في المادَّة مستغرقًا فيها حتّى الثمالة. أتبدَّد ولا أتَّحد. أتشظّى ولا ألتئم، وفي هذا المقام، أحسُّ بوجودي الحقيقيّ. فالحياة، بما فيها ومن فيها، أقوى من كلِّ النظريّات والحقائق. هنا الخطأ حصانة الحياة.
في مقام الحقائق أستشهد بناصيف نصّار. مقطع مبرم يحدِّد مساره. جاء في منطق السلطة: مدخل إلى فلسفة الأمر ما يلي: «إذا كان العقل فعلاً متميِّزًا من أفعال الفكر الإنسانيِّ، يقوم على إدراك الحقيقة أو الحقائق النظريَّة والعمليَّة بأقوى ما هو ممكن للإنسان من المبادئ والبراهين، فما يهمُّ فلسفة السلطة، في البداية، هو إظهار أنَّ المجال الذي تتحدَّد فيه سلطة العقل، هو مجال إدراك الحقيقة. ففي هذا المجال، نعثر على أفعال أخرى لها نصيب معيَّن، سواء كانت من أفعال الفكر أم من الأفعال التي على حدود الفكر. ومن الطبيعيِّ أن يدخل فعل العقل في تنازع مع هذه الأفعال لأنَّ إدراك الحقيقة عمليَّة مفتوحة لكلِّ قوى الإدراك الإنسانيّ». «وما تذهب إليه فلسفة السلطة العقليَّة ليس نفيًا لهذا الإسهام، بل وضع له في مرتبته الطبيعيَّة، بحيث يصحُّ القول إنَّ سلطة العقل في مجال إدراك الحقيقة، هي السلطة، أو هي السلطة العليا... الحقُّ في الأمر، الذي يعني بالنسبة إلى العقل، الحقَّ في اتِّخاذ القرار في شأن الحقيقة، يقابله واجب القبول والتسليم».(1)
هذا النصُّ الذي يضع العقل في مقام السلطة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمطلوب القبول والتسليم، لا أستطيع تحمُّل تبعاته. العالم عندي ليس عقلاً فقط. هو عقل ولا عقل معًا. هو نظام وفوضى، هو وجود وانعدام، هو حقائق وأباطيل... والغلبة الدائمة ليست لأحد.
إنَّما، وأنا في مقام الهوى، أشعر أنَّنا ضدّان ويلتقيان، على الأقلِّ من جهتي. حيث أنا، مقام الهوى مائع، فيما مقام العقل حصن منيع. ألتقي بناصيف، لقاء التلميذ بأستاذه، لحاجتي الدائمة إلى مراودة حقائقه، ولحاجتي المستمرَّة لإقامة التوازن داخل فوضاي، كي لا تنتهي إلى خراب، ففوضويَّتي وعبثيَّتي وانتقائيَّتي ونكراني للثبات، وانتمائي للهيرقليطيَّة والسفسطة المعاصرة، تدعوني إلى أن أغتني بناصيف نصّار، علمًا أنَّني لا أضيف إليه شيئًا، وليس عندي في الأساس ما أضيفه. فهو في حالة استغناء، فيما أنا في حال الحاجة. وإنَّ الفوضى التي أنعم بها راهنًا تكون مثمرة وبنّاءة بمقدار ما تغتني بحقائق، عددها بعدد كتّابها ومكتشفيها. لذا، لا مفرَّ لي من ناصيف نصّار. ومشاويري إليه مليئة بغلاله، وسلالي مستعدَّة دائمًا لاستقبال ثماره.

في الشطح

هل هذه الشهادة تليق بناصيف نصّار؟
أظنُّ أنَّ الرسول توما، عندما دسَّ إصبعه في جرح المسيح، لم يكن شرِّيرًا. كان يريد أن يصدِّق بكلِّيَّته، بإيمانه وبحواسِّه كلِّها... أنا من عائلة توما. عقلي لا يكفيني ولا يشبعني.
جميل هذا العالم عندما يكون متعدِّدًا ومتناقضًا ومغلوطًا وحقيقيًّا. جميل أكثر، عندما ترعى الحرِّيَّة هذا التعدُّد وتصونه. فلا سلطة أقوى من الحياة، ولا قيمة تسمو عليها، والحياة شطط جميل.
هذا الختام، يشرح لي لماذا، بعد قراءتي وتقديمي لكتاب باب الحرِّيَّة في ندوة عقدت في بيروت، أقمت في الشطح الذي كتبه ناصيف نصّار في الفصل الأخير من كتابه. عندي، هذا الفصل، ليس خاتمة، بل فاتحة الكتابة الفلسفيَّة، بالشطح.
ماذا بعد؟
إذا قرأ ناصيف نصّار هذه الشهادة - التحيَّة، فسيجد فيها أخطاء كثيرة. وإذا لم يجد، لا يكون القارئ هو ناصيف نصّار. سيضع خطوطًا حمراء، ويتمتم بصوت ودود: «هذا خطأ يا نصري». «هذا لا يجوز» «ولو! إلى هذه الدرجة»؟
جوابي: إنَّني أستحقُّ لومك. ولكن دعني أرتع في الضلال، إلى يوم الساعة. دعني على يقين غاليلي. فأنا من جماعة الخطِّ المتعرِّج ولا يهمُّني إن كنت سأصل إلى الحقيقة. همِّي الاعتناء بالحياة.
أختم: إنَّني بحاجة إلى كثير من الحقائق الفلسفيَّة، ومن حقائق العلم، كي أفهم العالم. وإنِّي بحاجة أشدَّ إلى أوهام كثيرة كي أعرف كيف أحيا في هذا العالم.
لذا... أنا مؤمن بالحقائق التي تموت، وبالحياة الخالدة.
1ـ منطق السلطة: مدخل إلى فلسفة الأمر، بيروت، دار أمواج، 2001، ص 292.
كتاب
Designed and developed by Web Perspective
© Khabar Online