• الدور
    الدور الإقليمي... وحدود القدرة
    الكلمات : 1399
  • مرعي:
    مرعي: التنسيق بين الجيشين حاصل بالمضمون
    الكلمات : 271
  • معركة
    معركة جرود عرسال في إطارها الأشمل
    الكلمات : 624
  • فشل
    فشل مفاوضات قبرص: فتش عن أنابيب الغاز!
    الكلمات : 751
  • وقائع
    وقائع داعشية
    الكلمات : 647
عضوية الموقع
البريد الالكتروني
كلمة المرور
بحث متقدم
المقالة
النوع
البلد
الإستراتيجية الدفاعية وسلاح حزب الله
خبرأونلاين
خبرأونلاين

الحوار في لبنان مطلب دائم، خاصة في هذه الاوقات في منطقة لا تبشّر أجواؤها بالاستقرار فيما يجيد اللبنانيون لعبة الاستقواء بالخارج والارتباط بموازين القوى الاقليمية للاستفادة منها في صراعهم على السلطة. لذا يصبح الحوار الذي دعت اليه الرئاسة الاولى ضرورياً لحماية لبنان وكل الفئات اللبنانية التي يستقوي معظمها بالخارج.
تبحث هذه المقالة في قضية سلاح «حزب الله»، وتحاول باختصار الاضاءة على مخاوف الطرفين اللبنانيين من هذه القضية ومواقفهما، اضافة الى طرحها افكاراً قد تساعد في وضع آلية للتوصّل الى استراتيجية دفاعية يقبل بها معظم الفئات اللبنانية.
وتكتفي هذه المقالة بالجانب المتصل بالجدل المستفيض حول وظيفة سلاح «حزب الله» في مواجهة إسرائيل ومنع اعتداءاتها، من دون خوضها في جوانب رئيسية أخرى كتأثير وجود السلاح بين أيدي «حزب الله» على توازن القوى الداخلي، وإدارة الإستقرار، والوصول إلى السلطة وتكوين الأكثرية، وكذلك الرهانات الإقليمية والخيارات العقائدية والسياسية، القريبة والبعيدة.
بينما يردّد قادة 14 آذار ان اولوية الحوار نزع سلاح «حزب الله» من دون قيد أو شرط، يشدّد قادة «حزب الله» على عدم جدوى البحث في هذا الموضوع. تدلّ هذه المواقف على تشنّج الطرفين ورفضهم الاستماع والتفّهم المتبادل لمخاوف الآخرين ومواقفهم وقبول البحث في الرأي الآخر المختلف. لا يبشّر تصرف الطرفين اللبنانيين بان قياداتهم ستلتزم ما اتفق عليه في «اعلان بعبدا» في حزيران الماضي.
ويعزو كثيرون من اللبنانيين، وخصوصاً المؤيدين لتجمع 14 آذار، قيام المظاهر المسلحة في طرابلس وعكار، وحرق الدواليب في مناطق مختلفة من لبنان، وقطع الطرقات هنا وهناك كلما واجهت جماعة لبنانية مشكلة صغيرة كانت او كبيرة مع الدولة، الى وجود سلاح ثقيل وخفيف في حوزة «حزب الله». كذلك فان فقدان الدولة هيبتها، الذي ضاعف العنف الفردي والجماعي في الاشهر الاخيرة، مردّه بحسب ما تعتبره هذه القوى، الى «حزب الله» وسلاحه.
من دون شك، وخصوصاً منذ حوادث 7 أيار 2008، اصبح سلاح «حزب الله» سبباً لخلاف بين اللبنانيين ومادة دسمة للجدل في المنتديات والمقاهي والمكاتب والصالونات. ان عدم معالجة هذه الحالة يعمّق الهوّة بين اللبنانيين ويزيد الحقد. انها حالة غير صحية، قد تصبح في المستقبل دافعاً لمشاكل اكبر واعظم، ومن ثمّ من الواجب معالجتها بحكمة وروية وانصاف، خاصة وان كل اللبنانيين مقتنعون بأن للدولة وحدها الحقّ في فرض سيادتها وسلطتها على جميع الاراضي اللبنانية من دون استثناء. ناهيك بذلك، فان سلاح «حزب الله» لا يستدرج انتقاد نصف اللبنانيين وخوفهم وعداءهم فحسب، وانما اصبح، وبالتحديد بعد حرب تموز 2006، حجّة لتهديدات اسرائيلية وانتقادات اقليمية واميركية واوروبية كبيرة وعنيفة.
من جهة أخرى، نشأت أزمة السلاح عام 1969 قبل نشوء «حزب الله»، عندما أقرّت الدولة اللبنانية حقّ المقاومة الفلسطينية في استعمال الجنوب الشرقي من لبنان ساحة عملياتها ضد اسرائيل. بكلام آخر، تنازلت الدولة اللبنانية عام 1969 عن سيادتها على تلك المساحة من لبنان، وتدريجياً اصبح الجنوب باسره خارج سيادة الدولة ومسرحاً للصراع الفلسطيني - الاسرائيلي. كنت قد عبرتُ عن هذا الواقع عام 1986 عندما كنت سفيراً للبنان في واشنطن، في مقال نشرته جريدة «الواشنطن بوست « الاميركية في 13 تموز، وفيه:
«ان مشاكل الشرق الاوسط تجتمع كلها في منطقة الجنوب اللبناني واهمها الاحتلال الاسرائيلي، التطرّف الديني، حرب الخليج (ايران والعراق)، حرب لبنان، الخلافات الفلسطينية، وخطر حرب سورية - اسرائيلية... ان مشاكل الجنوب ما برحت تنمو من دون امل في التحسّن رغم ان سلامة جيران لبنان مرتبطة بحل الوضع الفوضوي في الجنوب... ان مأساة الجنوب اللبناني وقعت بسبب تحويله ساحة حرب فلسطينية اسرائيلية نتج منها تحويل اهالي الجنوب لاجئين في بلدهم... يجب ان يرجع جنوب لبنان الى السيادة اللبنانية كفاصل وحاجز، وليس فتيلاً تحاول القوى الخارجية اشعاله... دفع الشعب اللبناني في الجنوب غالياً بالدم والتهجير والفقر بسبب عدم الاستقرار الذي سبّبه تقاتل الآخرين على ارضه، وهو يستحقّ العيش في سلام».
هل عاد الجنوب اليوم الى السيادة اللبنانية؟
انسحبت اسرائيل من الجنوب باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وانسحب الفلسطينيون الى مخيّماتهم. في المقابل، انتقل «حزب الله» بمرور الوقت من مقاومة للاحتلال الاسرائيلي الى قوة ردع قادرة على ردّ الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان، وضبط الفلسطينيين ومؤيديهم ومنعهم من استعمال ارض الجنوب مرة اخرى. الى ذلك، ثمّة قوة حفظ سلام دولية (UNIFIL) يبلغ عديدها حوالي 13 الف جندي، سمح لها قرار مجلس الامن رقم 1701 الصادر في آب 2006، بردع الاعتداءات الاسرائيلية وتحرّشات «حزب الله» او الفلسطينيين اذا وقعت. لكن تاريخ القوة الدولية التي ينتمي عديدها الى 34 دولة، الموجودة منذ عام 1978، لا يشير الى ان في استطاعتها ردع أي اعتداء عبر الحدود. هناك الجيش اللبناني، كذلك في معظم انحاء الجنوب. لكن الدولة تحتاج اليه، او الى جزء كبير منه، كلما اختل الامن في مناطق لبنانية اخرى وخصوصاً في الشمال، وما اكثرها.
الى ذلك كله، باتت المخيّمات الفلسطينية في الجنوب مساحات صغيرة، محاصرة ومغلقة على نفسها، يسودها الفقر والبؤس وانعدام الامل والعسكرة، ومعظمها تحت سيطرة قوى مسلحة متطرّفة ناقمة وحاقدة على العرب والعالم باجمعه لضياع فلسطين، وكذلك للحال المزرية في المخيّمات وفقدان الامل في عيش كريم. إنها مساحات مستقلة عن الدولة اللبنانية يستغلها الحاقدون والناقمون من المنطقة للانتقام من هذا «العالم غير العادل وغير المنصف»!
يحملنا هذا الواقع المرير على طرح أسئلة كثيرة واساسية: ماذا يحدث لو نُزع سلاح «حزب الله» ونُظم السلاح الفلسطيني داخل المخيّمات كما دعا اليه المؤتمر الاول للحوار عام 2006؟ هل سيلتزم الفلسطينيون «المسلحون» الهدوء في مخيّماتهم، ام انهم يتوسّعون تدريجاً جنوباً في اتجاه الحدود مع الكيان الصهيوني، ومن ثمّ يعود اطلاق الكاتيوشا عبر تلك الحدود، وتالياً استدراج ردّ اسرائيل «السن بعشرة»؟ هل تستطيع الدولة والجيش اللبناني ردع التحرك الفلسطيني اذا حصل، ام ان احداث النصف الاول من سبعينيات القرن الماضي ستتجدّد وتدعم الدول العربية الشقيقة مجدّداً «حرية» العمل الفدائي؟ هل تستطيع الدولة ردع الاعتداء، وربما الاحتلال الاسرائيلي اذا وقع؟
للذاكرة، صدر قرار مجلس الامن رقم 425 عام 1978، لكن اسرائيل بقيت في الجنوب اللبناني حتى عام 2000، وانسحبت من معظمه مرغمة تحت ضغط المقاومة اللبنانية، وخاصة مقاومة «حزب الله». كذلك اصدر مجلس الامن والجمعية العامة قرارات عدة تتعلق كلها بعودة الفلسطينيين الى ديارهم وإقامة دولتين في فلسطين التاريخية، وانسحاب اسرائيل من معظم الاراضي المحتلة عام 1967، اضافة الى تعويض كل فلسطيني لا يريد الرجوع الى جزء من وطنه اصبح اسرائيل. بدأت قرارات الامم المتحدة في شأن القضية الفلسطينية بالصدور منذ عام 1947، ولا يزال مجلس الامن والجمعية العامة يدرسان أو يناقشان المشكلة نفسها واسرائيل تفرض وقائع جديدة على الارض من دون ادانة أو رادع. ليس هناك ايضاً بصيص امل في تأسيس سلام عادل ومنصف في الشرق الاوسط. لا امل كذلك في المدى القريب في عودة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الى ديارهم.
على رغم ذلك كله، محقّ مَن يدعو «حزب الله» الى تسليم سلاحه لأن حيازة الحزب- أي حزب - السلاح غير قانوني وغير شرعي في القوانين اللبنانية والدولية، ويناقض منطق سيادة الدولة في المطلق. سوى ذلك، أصبح سلاح الحزب الذي هو بالفعل قوة لبنانية رادعة، وخاصة صواريخه الطويلة المدى، اصبح خطراً جسيماً على سلامة كل لبنان وعلى اللبنانيين جميعاً. ان حرب تموز 2006 التي افرزت نظرية «توازن الرعب» بين اسرائيل و«حزب الله»، هدّمت لبنان وجنوبه خصوصاً، ودمّرت اسرائيل قرى جنوبية باسرها واستشهد ما يزيد عن 1200 مواطن، معظمهم مواطنون عاديون من الجنوب، ولا تزال ذيول تلك الحرب عالقة. ورغم الهدوء على الحدود معها والمناوشات القليلة التي وقعت منذ عام 2006 وكانت نتيجة تحرشها بـ«حزب الله» والجيش اللبناني واستفزازهما، لا تزال اسرائيل تتوعّد وتهدد وتخطط، وتحضّر الرأي العام الدولي لشنّ حرب على لبنان لضرب «حزب الله» وتجريده من سلاحه.
من ناحية اخرى، من الخيانة تخلّي لبنان عن سيادته على الجنوب مرة اخرى ووضع اهله تحت رحمة القوى الاقليمية، والسماح بأن يصبح مجدّداً مسرح صراع فلسطيني- اسرائيلي ضحيته لبنان وخاصة مواطنيه في الجنوب. لا احد في لبنان يريد العودة، وحتى امكان العودة الى الفترة المشؤومة تلك من تاريخ لبنان التي بدأت من الجنوب بعد نكسة 1967.
هذا الوضع بتفاصيله، يجب ان يكون مدار بحث في اجتماعات الحوار قبيل الخوض في السياسة الدفاعية للبنان التي يمكن ان تتضمن العناصر الاساسية التالية:
1. اعادة تنظيم الجيش اللبناني وتسليحه كي يصبح قوة سلام حقيقية في الداخل، وقوة رادعة يفهم منها الاسرائيلي وغيره من المعتدين على سيادة الوطن ان أي اعتداء سيكون باهظ الكلفة. ان بقاء الجيش اللبناني على حاله من التسلح والاعداد سيسبّب حتماً فراغاً في الجنوب، في حال نزع سلاح «حزب الله»، تملأه قوى غير لبنانية او عدّوة. وهذا ما لا يقبل به الشعب اللبناني، وخاصة الجنوبيين.
2. العمل مع السلطة الفلسطينية والمنظمات الفلسطينية على نزع السلاح الفلسطيني من المخيّمات وخارجها، والتنسيق مع منظمة «الانروا» لتحضير خطة انقاذ تعطي اللاجئين الفلسطينيين الامل في عيش كريم، وتمكنهم من العودة الى تقاليدهم والالتحاق بركب العولمة. لن يجلب حملهم السلاح لهم سوى الضرر والبؤس، واستمرار انعزالهم عن العالم يفرز الارهاب والويل عليهم وعلى المنطقة.
3. ان انتقال سلاح «حزب الله» والخبرات العسكرية التي في حوزته الى الجيش اللبناني ليصبح - وبدعم الشعب اللبناني كله - وحده المحافظ على الحدود والسيادة والاستقلال بكل ما للكلمة من معنى، خطوة ضرورية نظراً إلى رفض القوى الصديقة للبنان تجهيز جيشه بأسلحة رادعة. تعود قوة المقاومة اليوم الى تناغمها مع الارض والبيئة الاجتماعية التي افرزتها، ولذا من الضروري الاستعانة بالمقاومة اذا ارادت الدولة للجيش الوطني ان يكون قوة ردع حقيقية.
من الضروري ايضاً اذا بدأ العمل وفق هذه الاستراتيجية، ان ندرس تجارب آخرين، شعوباً ودولاً، واجهوا مشكلة ادارة التعددية مثل لبنان، ونستفيد منها. على سبيل المثال، وليس التقليد، تواجه سويسرا منذ قرون ولا تزال، مشاكل ادارة التعددية الاثنية والطائفية. واذ أُورد بعض اوجه التشابه التاريخي والسياسي بين لبنان وسويسرا، من الخطأ الاعتقاد ان هذه وصفة للبنان لاستنساخ التجربة السويسرية في مجال السياسة الدفاعية، بل تستحق التجربة السويسرية درسها واستخلاص دروس مفيدة لمشاكلنا في ادارة التعددية في لبنان.
1. طُبعَ التاريخ السويسري حتى منتصف القرن التاسع عشر بالكثير من الحروب التي شنّها السويسريون بعضهم ضد بعضهم الآخر، ولمصلحة دول اخرى.
2. بقي السويسريون حتى انتهاء الحرب العالمية الاولى يتصارعون داخلياً بين مؤيد للانضمام الى المانيا ومؤيد للانضمام الى فرنسا في حروبهما الطويلة.
3. اثّر العامل الجغرافي على التاريخ العسكري لسويسرا حيث جبالها حصن منيع وموقعها الجغرافي ضَمَن لها سيطرة على طرق تجارية مهمة وفرت لها - بعد توحيدها - الموارد الضرورية لبناء القدرات العسكرية.
4. تعتمد السياسة الدفاعية السويسرية على مبادئ اساسية متلازمة، هي الفيديرالية والجيش الشعبي والحياد. فالحياد المسلح الذي انتهت اليه سويسرا لم يكن ممكناً من دون الجيش الشعبي الذي حصّنه في وجه التحدّيات القارية. نشأ هذا الجيش وتطور في حضن التكوين الفيديرالي للدولة السويسرية، اي من خلال الكانتونات. بكلام آخر، بُني الجيش السويسري بالتعاون بين الحكومات المحلية والحكومة الفيديرالية.
5. يولي السويسريون اهمية كبرى للتعاون مع الدول المجاورة التي تستلهم القيم والمبادئ نفسها في نظامها السياسي.
6. تمكّنت سويسرا من الجمع بين سياسة الحيلولة دون دخول البلد المجابهات مع بلدان اخرى وسياسة دفاعية تهدف الى ردع الاعتداءات عليها، باعتمادها هدفاً واضحاً: سلامة الوطن واستقلاله.
7. التزمت سويسرا سياسة الحياد ابتداءً من القرن التاسع عشر، ومرّ حيادها عبر ثلاث مراحل رئيسية: الفطري، السلبي، والمسلح. تحقق الدمج في المرحلة الاخيرة بين السياستين الدفاعية والخارجية.
8. للقوات المسلحة السويسرية ثلاث مهمات رئيسية: العمليات الفرعية التي تهدف الى ضبط الاوضاع الداخلية عبر ما يدعى بالعمليات الخفيفة، والدفاع الوطني لصدّ العدوان الخارجي، والمشاركة في تعزيز السلام العالمي.
اودّ، أخيراً، اعادة التذكير بأن من الخطأ الاعتقاد بان ما ورد عن سويسرا تشجيع لاستنساخ تجربتها في تنظيم الدفاع والامن في لبنان. ان ابعد ما يمكن ان تذهب اليه المقارنة بين البلدين، اعتبار التجربة السويسرية بمثابة «نموذج مثالي» يطمح اليه لبنان، ويسعى الى الاقتراب من تحقيق صيغته المثلى بحسب واقعه وحاجاته. وكما نجحت سويسرا في ابتكار نموذجٍ حَلَّ مشكلاتها التي لا تشبه بلداً آخر، وتستمد تأثيرها من خصوصية مجتمعاتها، في وسع لبنان وقياداته ابتكار نموذج حلّ يشبهه هو، ويراعي خصوصية مجتمعه ما دامت مشكلاته لا تشبه دولة أخرى أيضاً.


كتاب
Designed and developed by Web Perspective
© Khabar Online