• كيف تفكر الانثى
    "كيف تفكر الانثى"...ندوة للدكتور عماد شعيبي
    الكلمات : 120
  • تركيا
    تركيا قد تغلق حدودها مع العراق في أي لحظة
    الكلمات : 77
  • العميد
    العميد عصام زهر الدين...شهيداً
    الكلمات : 72
  • زمن
    زمن تغيير الطرابيش
    الكلمات : 538
  • الدور
    الدور الإقليمي... وحدود القدرة
    الكلمات : 1399
عضوية الموقع
البريد الالكتروني
كلمة المرور
بحث متقدم
المقالة
النوع
البلد
كلام في السياسة | سكيزوفرينيا طرابلس: فقراء ينتخبون مليارديريين
خبرأونلاين
خبرأونلاين
جان عزيز
 
صار القتل والاقتتال في طرابلس خبر «متفرقات» في الحياة السياسية واللغة الصحافية في لبنان. لم يعد ثمة من يسأل عن الأسباب. أسماء الضحايا تحوّلت إلى أرقام. تماماً كما لمعة ترقيم الجولات: إنها السابعة عشرة، 5 قتلى وعشرات الجرحى، والآن إليكم النشرة الجوية...
ومع أن التحليلات كثيرة في السياسة: يقولون صندوق بريد بحبر دموي لرسائل إقليمية بين دمشق والرياض. ويقولون معادلة الجبل مقابل القلمون، كما في زمن النبعة والدامور، مطلع الحرب وبدايات التطهير الطوائفي وإقامة المناطق الصافية والجغرافيات الآمنة. ويقولون تعمية وتجهيلاً، حسابات خارجية، كأن بذلك كفى الله المؤمنين شر القتال... ولم يكف ولم يكتفوا.
وسط كل الكلام التحليلي الغزير، ثمة سؤال لا يزال يبحث عن إجابة: ما الذي يدفع ذاك الطفل في طرابلس إلى الموت؟ ما الذي يجعل أهله يهدرون طفولته وبراءته وحياته، بضحكة عريضة، بقهقهة المرضى النفسيين أو المخدرين المنعتقين؟ ما الذي يضخ في مقاتلي تلك المدينة ومسلحيها هذا القدر من الحقد القاتل لذاتهم قبل سواهم، وهذه الثقة المطلقة في رفض الحياة، وهذا الإصرار المتعنت في الاطمئنان إلى صحة العدم وصواب العبث؟ يطلع عليك من أكثر من جهة من يحاول أن يجيب ويشرح ويفسر.
 
 
هناك أولاً، «الدينيون»، أو أصحاب التفسير الديني. قراءتهم بسيطة لا بل مبسّطة وتبسيطية. يقولون لك: هذه طرابلس. آخر مدينة مملوكية على وجه الأرض. آخر معقل «تيمي» في العالم الإسلامي. ليست مصادفة ولا مزايدة أن ساحة عبد الحميد كرامي قد تحولت إلى ساحة النور أو ساحة الله أو ساحة قلعة المسلمين، ولم يجرؤ سياسي طرابلسي واحد على المطالبة بإعادة الساحة إلى صاحبها واسمها. هل سمعت أن نائباً أو وزيراً أو رئيس حكومة توجّه إلى بلدية طرابلس بسؤال عن ساحة عبد الحميد؟ ثم إن الساحة بالمفهوم الأنتروبولوجي والعمراني هي كل البلد. هي هوية الناس ووجدانهم والذاكرة والشعور والسجية. فحين تكون الساحة إسلامية بصمت الجميع، تكون المدينة كلها كذلك... ويستفيض أصحاب التفسير الديني: هل من مدينة أخرى في الأرض لا تزال تحتفل سنوياً بالفتح المملوكي، الفتح نفسه الذي كاد يبيد جماعات لبنانية كاملة، وترك بصماته الدموية في الفكر والجسد؟ نعم هي طرابلس، مدينة المتوسط التي لا تزال تسند هويتها إلى الانتصار على الصليبيين. أولئك أنفسهم الذين أفاق أحدهم قبل أسابيع إلى أن عاصمتهم في معلولا. معلولا التي على مرمى حجر من طرابلس، او مرمى كل الحجارة والنار. لا يسكت «الدينيون» عن الكلام: هي طرابلس، هي المدينة التي خرج منها في ليلة واحدة من أيلول 1976 أكثر من 700 عائلة مسيحية. وتحوّلت مذذاك إلى أحادية قاتلة، تماماً على قاعدة أنه حين تؤمن أن الآخر هو الجحيم، تكون في الواقع تصنع واقعاً لك من نوع أن الأنا التي هي أنت بالذات، هي الجحيم. هذه الطرابلس هي اليوم في حرب دينية، بين سنّة وعلويين وروافض مقنّعين وكفار ومكفرين... يقول الدينيون.
 
 
لا يمكن القبول بهذا المنطق. فلا هو من المدينة ولا من صفات أهلها. يتصدى «التاريخيون» للردّ. يرفضون كل كلام ديني. في رأيهم أن المشكلة تاريخية وحسب. فهذه طرابلس الشام. صاحبة الموقع الأولوي في مدن المتوسط، قبل اختراع بيروت، وقبل أحقاد بيروت، كما يؤمن «التاريخيون». مشكلة طرابلس في العمق، انها ضحية مؤامرة تيتيم تاريخية مزدوجة. فلبنان الكبير جعل منها مدينة طرفية هامشية. وسوريا الصغيرة نسيت اسمها وبنوّتها وسكة حديدها وأسواق حرفييها. صارت المدينة في نزاع مع ذاتها، في صراع مع تاريخها على حاضر ومستقبل. مدينة مفلوعة الوجدان، مغدورة مرتين، ومخدوعة مرات. لم تقبل طرابلس التاريخية لبنان الجديد وعاصمته المركزية المحتكرة المستأثرة. ولم تقبلها سوريا الجديدة رغم ارتباط اسمها بعاصمتها الشام. صارت طرابلس مثل الطفل المنبوذ، تعيش في وجدانها سكيزوفرينيا الانتماء ورفض الانتماء. وتعبر عنه في كل لحظة بالعنف ووسائل العنف...
 
يظل تفسير ثالث، لا توصيف له غير الماركسي. ذاك الذي يحاول أن يشرح لك خطوط تماس طرابلس وبؤر تفجرها، على خلفية خطوط الفقر والاستغلال والكادحين والجوع. التفسير الذي يعرض لك أحوال طرابلس منذ نصف قرن. طرابلس المعرض الذي لم يعرض شيئاً، والمرفأ الذي صار منتفعاً للنافذين، والمصفاة التي تمت تصفيتها، وباب الذهب في التبانة الذي تحول باب جهنم ونار تحرق كل المدينة موسمياً ودورياً ودوماً. إنها تركة البؤس المحفور حفراً على أجساد مساكين طرابلس وجائعيها يقولون. إنه الانفجار الذي يقدّ باروده من الأمعاء الخاوية، ويصهر رصاصه من حديد القيود، آخر ما يملكه فقراء طرابلس، وكل ما يغامرون بخسارته في معاركهم المستدامة، مع انعدام التنمية ولو للحظة...
 
 
قد يكون أي من تلك التفسيرات، الدينية والتاريخية والماركسية، صحيحاً. لكن في النهاية من يمثل المتقاتلين في طرابلس؟ كيف تتمثل تطلعاتهم ومصالحهم؟ كيف لإسلاميين، أو طرابلسيين شاميين، أو فقراء معدمين، أن ينتخبوا ممثلين عنهم، من دعاة العلمانية واللبنانية، ومن أصحاب المليارات؟ حتى تدرك الجواب، قد تظل سكيزوفرينيا طرابلس مستمرة، وكذلك حروبها.
 

كتاب
Designed and developed by Web Perspective
© Khabar Online