• توقيف
    توقيف استرالي- لبناني لإنتمائه لـ "داعش"
    الكلمات : 92
  • غارات
    غارات التحالف السعودي تضرب من جديد
    الكلمات : 63
  • اقتحام
    اقتحام عنيف لجيش الاحتلال لمدن الضفة
    الكلمات : 67
  • كيف تفكر الانثى
    "كيف تفكر الانثى"...ندوة للدكتور عماد شعيبي
    الكلمات : 120
  • تركيا
    تركيا قد تغلق حدودها مع العراق في أي لحظة
    الكلمات : 77
عضوية الموقع
البريد الالكتروني
كلمة المرور
بحث متقدم
المقالة
النوع
البلد
أكتب حلمك.. بعرق جبينك
خبرأونلاين
خبرأونلاين
بقلم: نصري الصايغ
 
جميل أن تحلم. ممتع أن تكتب حلمك. رائع أن تحقق الحلم... كارثة أن تصاب بالعقم، وأن تستقيل من لذة ارتكاب الحلم.
 
حاولت أن أمتثل للأمر: «أكتب حلمك». ظننت السياحة في المخيلة سهلة، والنظر إلى المستقبل مضاءٌ بالنوايا والرغبات والأماني والإنجازات الممكنة والمستحبة. قلت: سأنفذ الأمر، وأكتب أحلامي كلها، ولن أقصر مخيلتي على حلم واحد...
 
عبثاً. أنا عاطل عن الأحلام. أشبه كهفاً ينتظر الحجر ليقفل عنه الضوء الأخير. لا مخيَّلة لي كي أبتكر حلماً. لا مرمى أمامي كي أنسج خيوط وهم أو كي أرسم صورة تقريبية للمستقبل. لا أعرف قراءة المستقبل. أخافه. كأنه منفانا وملجأ طموحاتنا الصدئة والمزمنة والتالفة.
 
جميل أن تحلم، ومؤلم أن تكتشف عجزك. عجزك عن اختراع كذبة جميلة، أو مشهد غير مألوف لشدة طبيعيته، أو حلم يصلح ليوم واحد، غداً أو بعد غد، فكيف لأربعين عاماً! مؤلم أن تتقاعد وتجلس القرفصاء، على قارعة الأيام، على رصيف العمر، وأن تكون ملذاتك الوحيدة، استعادة المرارات وتذوقها بحسرة ما قبل الوداع، وأنت مدرك أنك خارج من هذه الدنيا، صفر اليدين، من أحلام كان لها حظ التحقق والإنجاز، لولا...
 
لكنك، وأنت تجهد في توليد اصطناعي لحلم ما، تكتشف أن جيلاً جديداً، يكتب المستقبل بأحلامه، بإبداع وابتكار. من أين لهم الجرأة؟ كيف انفصلوا عن تاريخنا؟ أي قوة دفعتهم للخروج من الراهن المكبّل؟ مخيلة تشبه «سلة الفاكهة» (ديوان لـ«رابندرانات طاغور»)، كأن تقرأ «أي شجر لضهر البيدر؟»، وكيف اختلف النواب في البرلمان على نوعية وكيفية تشجير ضفاف الطرق، أو كأن تقرأ عن افتتاح «مترو بيروت»، الذي كانت خرائطه موجودة، منذ العام 1992، أو كأن تحضر مباراة لكرة القدم في فلسطين المحررة، أو كأن يتوّج «لبنان الأول عالمياً من حيث توفر فرص العمل» (أي وداعاً للبطالة. يا لروعة لبنان يومذاك!) أو كأن تقرأ عن لبناني على سطح القمر، مخالفاً قواعد البيئة النظيفة.
 
تقرأ وتزيد وتفاجأ. تتألم لحالك وتبتسم لحالهم. نحن لسنا هم، وهم بعيدون عنا. ليسوا مثلنا، وهذا أمر حسن، ولو لم يصدق حرف من كذبهم الجميل، من حلمهم للمستقبل.. أجمل ما فيهم أنهم لا يشبهوننا.
 
في ذلك الزمن الذي ندعوه جميلاً، ولم يكن كذلك، كانت أحلامنا حقيقة جداً، واقعية حتى الثمالة، ضرورية كالهواء والماء و... الحرية. جئنا البلاد بعذوبة الشعارات وبكارة المبادئ وصدق التطلع وحزم الانتماء وكرم التضحية، حتى الشهادة، ولكننا خسرنا... صدّقناها ولم نصدق معها. كنا نعيش سراب البطولات غافلين عن يقين الخيانات المرتكبة بأيدينا، أو بأيدي من تولى الأمر عنا وضدنا.
 
أحلامنا الجميلة السابقة تكاثرت ثم تكسّرت. الوحدة، الحرية، الديموقراطية، العدالة، المساواة، التقدم، التحرير، الإنسان الحديد، العلمانية، الـ... وفلسطين. كانت خسائرنا مريعة ومخضّبة بدمنا ومفتوحة على المزيد، حتى بلغنا الانهيار والإقامة في الركام العربي والعراء الدولي والإنساني، لا نشفق علينا بل نتقزز من حالنا ومما آلت إليه أمورنا.
 
حسن البنا غلب الإمام محمد عبده والشيخ علي عبد الرازق وعبد الرحمن الكواكبي. أيمن الظواهري غلب قاسم أمين وطه حسين وفرنسيس أمراش وفرح أنطون، «نجم الجزيرة» القرضاوي هزم رواد العروبة وقادتها. العسكر انقلب على ميشيل عفلق، الضباط انقلبوا على قسطنطين زريق. ماذا بقي من زكي الأرسوزي وأنطون سعاده وجورج حبش؟ بل، من ورث عبد الناصر اغتاله. ثورة الجزائر الخالدة، اعتقلت الجزائريين في سجن كبير. لا محل إقامة لعمر المختار في ليبيا. لا وجود يذكر لسلطان باشا الأطرش في سوريا. الوهابية لفقت سياسة وقحة، استبداد في الداخل واستباحة من الخارج. العراق... اليمن... السودان... الصومال... الـ ما تبقى، لم يبق منه شيء.
 
استبسلنا في تحطيم الذات، في الفتنة، في الاغتيالات، في حروب الأخوة المستدامة، في الشذوذ الذي صار قاعدة، في الانفصال الذي صار عقيدة، في القطرية التي تحولت إلى متراس لا وحدوي، في العسكرة إلى حدود تأليه النجوم والرتب بلا معارك. حكمنا عسكر يفكر بحذائه ونياشينه وحدود وطنه عائلته الحزبية المالكة... امتهنا السرقة والنهب والقمع. جمهرة كنا في تصيد الأبرياء. ألد أعداء السلطة كان المواطن، لذلك عُذّب واعتقل ونفي من السياسة، ليصير مجرد حشرة قابلة للسحق.
 
خسائرنا أصابت القلب وأقالت المخيلة. لم تعد قبضاتنا خطوط دفاعاتنا عن أحلامنا وشعاراتنا وأهدافنا وعن الناس المؤمنين برغيف الكرامة والحرية والعدالة...
 
لعل أجمل ما فينا، رثاؤنا لحالنا. فـ: «قفا نبكِ». وأفظع ما حل بنا، أن أحلامنا التي كانت ممنوعة من التداول، قد تيبّست، ثم مرّ عليها الزمن والعفن، وصار مجرد ذكرها برؤوس الشفاه والأقلام مدعاة سخرية واتهام، من نخب النفط وحثالة السلطة وثقافة الاستهلاك. من احتفظ بأحد تلك الأحلام، وحدة، فلسطين، ديموقراطية، تقدم، علمانية، عدالة الخ... اتهم بأنه خارج العصر. خارج عصر الوهابية والعسكريتاريا والاستبداد والسلامة والترف والمال الحرام والمجانية وهيستيريا الاتكال على الأعداء، بصفة أصدقاء ضروريين وواقعيين. كان المطلوب ان نكون كلاب حراسة للدول التي تسرقنا وتنهب ثرواتنا. كان المطلوب ان نعقد أحلافاً مبرمة مع دول تعتدي علينا وتشن الحروب ضدنا، وتساعد إسرائيل على الاستقواء الدائم على 300 مليون عربي، يشبهون رملاً تذروه السياسة والاستبدادات المؤتلفة.
 
نحن جيل الفقدان. كل ما كان عندنا ومعنا، اخذ منا إلى المقصلة. وهكذا تحوّل ماضينا الجميل والرائع إلى طاغية يطحننا، ولا نستطيع منه فراراً.
 
فمن عاش مثلنا هذه الانكسارات، من أين له القدرة على تنفيذ الأمر الجذاب: «أكتب حلمك»؟
 
عليَّ أن أتغيّر كثيراً كي أحلم قليلاً، ولقد فات الأوان. المخيلة مخلّعة ومتعثرة. هي مدفن أحلامنا الجميلة. لكي أحلم، عليّ أن أخرج من ذاتي وأن أطلّق مخيلتي وأن أحرر عقلي وأن أفتح لقلبي نافذة على الضوء. من يدلنا إلى ضوء يسعفنا؟ نحن عصر الظلام القاتل. من له ضوء فليقرضنا شعاعا، أو يشعل لنا شمعة.
 
ثم، إن تغيرت، هل يحق لي أن أحلم مرّة أخرى، الأحلام ذاتها، التي شكلت نسيج روحنا وعصب قبضاتنا وأوتار حناجرنا ورصاص أسلحتنا، عندما كان السلاح زينة النضال الحق لا «زينة الرجال»، سلاح يجرح صاحبه.
 
هل يحق لي أن أحلم بالحرية؟ كيف؟ بمن؟ مع من؟ أين؟ لقد ذبحت الحرية بأدعيائها. عُذّبت بحملة راياتها. مُنعت ممن روّج لها. اختفت عن الشفاه، ممن جاء إلى السلطة باسمها وعلى عنوانها ومن داخلها... الحرية لم تخنا. نحن خنّاها. فكيف أحلم بها مرة ثانية وثالثة. أليس القرن الماضي، قرن الحريات إلا عندنا.
 
لقد وقعنا، وأحيانا بإرادتنا وتحزبنا وتعصبنا، في قبضة نخب مهووسة بالسلطة، من أجل السلطة ومنافعها وفي قبضة نخب مهووسة بكسب المال غير المشروع، من خلال التسلط، وفي قبضة حثالة أمنية ادعت حراسة «المشروع الوطني القومي التحرري الاشتراكي» فحوّلت المجتمع إلى حظيرة لجماعات من الدواجن السياسية. المواطن الجيد هو المواطن الداجن، يقتات مما يرمى له من حثالات الموائد، ويصفق لسيده الكريم.
 
يا ويلنا! ماذا ارتكبنا؟ أو بالتحديد، ماذا ارتكبوا فينا؟ لقد كان كل ما ضينا الحديث، فعل اغتصاب بربري لحياتنا، حتى باتت الحياة، حفنة من العيش بجلال المذلة وبهاء النجاة... أي إنسان هذا الذي ارتكبوا صناعته؟ ويسألونك بعد ذلك عن تأثير المخدّر الديني.
 
هل يحق لنا، نحن جيل الخسارات، أن نحلم مرة أخرى؟ لا أظن أن أحلامنا، ان كتبناها في نصوص، ستختلف عن أحلامنا السابقة الخائبة، التي طردناها من السياسة، والتي استعضنا عنها بأعدائها.
 
وحده البريء يحق له أن يحلم. ونحن ننتمي إلى جيل مرتكب. لسنا أبرياء البتة. كان سهلاً أن نستسلم للانحرافات ونبررها ونتحزب لها وندعمها. ونتبرع بتفان «نضالي» للدفاع عن الخطأ والارتكاب، بذريعة فلسطين، أو بدعوى التآمر، أو لضرورات المرحلة. كنا نحلم من فوق ونرتكب من تحت. الوحدة لم تخنا، بل نحن ذبحناها. وقفنا إلى جانب الانفصالية. باركنا النظرية. عظّمنا من شأن الواقعية (مرادف بذيء للانتهازية) في دعم الكيانية... التقدمية لم نكن أوفياء لمقتضياتها. وقفنا إلى جانب رجعيات حاربناها بالكلمات وحاربتنا بالسلاح والمال والنفط. تحالفنا معها ضد المد القومي «الطوباوي» (كما اتُهم) باتت السعودية وريثة الناصرية (يا للعار!). وقيسوا على ذلك من الارتكابات. الاشتراكية، يا حرام، أفقرت الفقراء، وأتخمت الأغنياء وجماعة السلطة. حرب التحرير انتهت إلى نكسة أولى، كان يجب أن تقلب العرب رأساً على عقب. تم التأسيس على النكسة. خسرنا فلسطين الأولى ولم نربح ما تبقى منها. الحرية، قدس أقداس العرب، منذ الاستبداد العثماني، أخليناها لأنظمة عسكرية ديكتاتورية، وأنظمة حزبية، انتزعت منها أخلاقها وأفكارها، لتتحول إلى صنم يمثل «أبا الهول» الأمني الذي بلا قلب ولا روح. الحزبية خنّاها جميعاً. العقائد تفّهناها كلها. صار العرب صحراء جرداء، لا حيوية فيها، شعوبها غطت في سبات عميق، بحراسة كلاب السلطة، ذات الرتب والألقاب المتعددة. العلمانية عقدنا قرانها على الطائفية والمذهبية، والديموقراطية أجلنا حضورها إلى ما بعد سقوط «المؤامرة».
 
عصر من الكذب والخذلان والخيانات، دفعت إلى انفجار «ربيع عربي» جاء متأخراً عن ربيع لاتيني وآخر افريقي وآخر أوروبي شرقي.
 
قلنا عن الربيع العربي، هذا حلم قيد الانجاز. اندفعنا إليه ومعه ومن أجله. راقبنا عدواه الجميلة. توقعنا أن يتخطى الحدود، ان يسقط أنظمة ويزيل طغيانا ويحرر إنسانا. تأملنا أن تكون سلميته طريقاً سوياً. نجاحات الربيع في تونس ومصر، وإرهاصاته في اليمن والبحرين، أرعبت أنظمة الاستبداد العربية، فانقسمت بين من اشتراه، وبين من قرر ذبحه بالقوة. وتعاون الطرفان على قتل هذا الربيع، بالسلاح والمال. بالقمع أو بالخوّة.
 
أنظمة الخليج الوهابية والإسلامية، اشترت ربيع تونس ومصر، وقمعت بدرع الجزيرة ربيع البحرين، وتولت أنظمة الاستبداد العسكرية، استدراج الربيع إلى المقصلة.
 
من كان مثلنا، لا يحق له أن يحلم. يحق له أن يندم.
 
ومع ذلك، سأحاول أن أكتب حلمي، متوقعاً الفشل. فهل سأحلم كعربي؟ أم أحلم كمسلم، صوفي أو إخواني أو سلفي أو جهادي أو سني أو شيعي أو علوي أو اسماعيلي أو زيدي أو قاعدي أو...؟ هل أحلم كمسيحي عاش في ذمة النظام الاستبدادي، أو في توازن هش مع المسلم. كلبنان مثلا؟ هل أحلم ككردي أم آشوري أم ماروني أم سرياني أم قبطي أم...؟ هل أحلم كلبناني أو سوري أو عراقي أو كويتي أو سعودي أو مصري؟ هل...
 
بصدق تام. ليس عندي أحلام جديدة بالمرة. أمامي صحراء قاحلة، وخلفي ماض مترع بالأحلام المغدورة. لذلك، سأحلم كما حلم رواد النهضة، بوطن، بديموقراطية منزهة، بحرية مبدعة، بعدالة نموذجية، بمساواة تامة أمام القانون، بدولة حديثة، بمؤسسات منتجة، بفلسطين محررة من الماء إلى الماء، بإنسان عربي جديد، علماني ديموقراطي منتج ومبدع... أحلم بقوة مقاومة تتعلمن ولا تبقى أسيرة مذهب. تقتات المذاهب الأخرى من أخطائها وتصوّب على منجزاتها. أحلم بأن تكون ثرواتنا لنا، ولإنتاج معاملنا ومصانعنا وغذاء لأدمغتنا. أحلم بأن نكون وطن الكتاب والشعر والفن والإبداع. أحلم بأن يستقيل رجال الدين من كل ما يمت إلى السياسة، بأن يتفرغوا للعبادة فقط. ما أجملهم قديسين. ما أقبحهم سياسيين. أحلم كما حلم رواد النهضة. وهذا يكفيني لمئة عام أخرى.
 
معذرة... أنا كائن من الماضي وإلى هذا الماضي أعود.
 
هكذا أكتب حلمي... وأحافظ عليه بعرق جبيني.

كتاب
Designed and developed by Web Perspective
© Khabar Online