• توقيف
    توقيف استرالي- لبناني لإنتمائه لـ "داعش"
    الكلمات : 92
  • غارات
    غارات التحالف السعودي تضرب من جديد
    الكلمات : 63
  • اقتحام
    اقتحام عنيف لجيش الاحتلال لمدن الضفة
    الكلمات : 67
  • كيف تفكر الانثى
    "كيف تفكر الانثى"...ندوة للدكتور عماد شعيبي
    الكلمات : 120
  • تركيا
    تركيا قد تغلق حدودها مع العراق في أي لحظة
    الكلمات : 77
عضوية الموقع
البريد الالكتروني
كلمة المرور
بحث متقدم
المقالة
النوع
البلد
في الحوار المتسامي الأنا والغير كنفسٍ واحدةٍ
خبرأونلاين
خبرأونلاين
محمود حيدر

المفارقة التي يغفل عنها كثيرون، بعلمٍ أو بغير علمٍ، هي التناظر في الاشكاليات الحضارية المعاصرة بين مجتمعات الشرق العربي الاسلامي، وما تعيشه اليوم المجتمعات الغربية. وبسبب من التوحيد القهري الذي مارسته النيوليبرالية، كان لنا أن نلاحظ تعادلاً في التّصدّع القيمي بين ضفّتي العالم المعاصر، بقطع النظر عن ماهية هذا التّصدع ونوعيته. ولئن كان الشرق حافلاً بالسّجال المزمن حول طبائع الاستبداد، فانّ الغرب لم ينجُ، مما يُعتبر استبداداً مستأنفاً تعود صُوَرُه المظلمة الى خمسة قرون مضت.
وإذاً، للغرب والشرق، وما يضاف إليهما من مجتمعات الشمال والجنوب –أزمات ومشكلات تلتقي على تقاطع المسألة الأخلاقية. وهذه المسألة اليوم ، مصيرية وحاسمة الى حد لم يسبق له نظير.
فلقد بدا العالم المعاصر كما لو أنّه يسترجع نشأته الأولى. حيث عتمة الإستبداد والفساد والاضطهاد هي الحاكم على كل شيئ. وفي زمن طاولت فيه "النهايات" كل ما حواه الميراث العالمي من قيم، راح الغرب يستشعر خواءً مثيراً للهلع في منظومته الأخلاقية. ولعلّ الجدل الذي يظهر حيناً ويخبو حيناً آخر، حول عودة الايمان الديني ليملأ الفراغات الروحية التي خلّفتها تجارب العلمانية الحادة في غرب ما بعد الحداثة. انما يترجم أحد أوجه الخواء المشار اليه.
قبل نحو ثلاثة عقود، رفع الفيلسوف الألماني كارل بوبر الصوت، باحثاً عن عالم أفضل. ورأى أن المجتمع البشري بات يحتاج الى السلام أكثر من أي يومٍ مضى، لكنه الى هذا، يحتاج الى صراعاتٍ فكرية جادة: قيم وأفكار يمكن الكفاح من أجلها. وقال: لقد تعلّم مجتمعنا الغربي من الإغريق أن للكلمات في هذه الصراعات أثراً أطول بقاءً من السيف، أما الأعمق أثراً فهو الجدل العقلي.
يتساءل بوبر -في محاضرة له ألقاها في فيينا عام 1981- عن السبب الذي يحول دون العمل بمبدأ الدولة القومية في أي مكان من العالم، ولا سيما أوروبا. كما يبيّن درجة الجنون التي بلغها الصدام بين الحضارات والأديان والهويات التي تشمل العالم كله، ولا تستثني الغرب نفسه. حتى أنه ينبري الى استعادة صورة "البداوة العمياء" التي عاشتها أوروبا في القرون الوسطى، مبدياً تشاؤمه من عودة هذه الصورة، وان استُبدلت بتقنيات وآليات عصر ما بعد الحداثة. ف"الهجرة الأوروبية" كما يقول، هي نتيجة لهجرات جماعية، وقد جاءت من زمان سحيق موجة وراء موجة من أناس تدفّقوا من منطقة الأستبس في وسط آسيا، ليتصادموا مع مهاجرين أقدم في أشباه الجزر الآسيوية والجنوبية والجنوبية الشرقية والغربية على وجه الخصوص –وهي تلك التي نسميها اليوم أوروبا - ثم انتشرت ، وكانت النتيجة ذلك الخليط اللغوي والعرقي والثقافي.. وهو اختلاط مشوّش لا يمكن حلّه.
على هذه القاعدة سينبري فيلسوف الحداثة النقدية، ليؤسّس الشّطر الأول من أطروحته النقدية. وبينما يقرّر أنّ حضارة الغرب هي حضارة ناقصة ، فانه يعتبر هذا النقص أمراً بديهياً. وحجّته البالغة في ذلك، أنّ من السهل ادراك أنّ المجتمع المثالي مستحيل.اذ في مقابل القيم التي يلزم أن ينتظمها مجتمع ما، هناك قيم أخرى تعارضها. حتى الحرية، التي قد تكون أسمى القيم الاجتماعية والشخصية، لا بدّ أن تكون مقيّدة، لأن حرية امرءٍ ما قد تتعارض بالطبع تعارضاً واضحاً مع حرية امرءٍ آخر. وهذا يعود بنا الى ما قاله ايمانويل كانط، من أن مهمة التشريع، هي أن يسمح للقدر الأقصى الممكن من الحرية لكل فرد، بأن يوجد جنياً الى جنب مع أقصى قدر ممكن من الحرية لكل فرد آخر، بمعنى أنّ الحرية لا بد وللأسف من أن يقيّدها القانون... وبالتالي أن يقيدها النظام.
فالنظام، بهذا البعد الفلسفي، معادلٌ ضروري للحرية، وبالتالي معادلٌ يكاد بالمنطق أن يكون ضرورياً...
"القانون" أو "النظام"، هو الذي يمنح الحرية عمقها الوجودي، وبالتالي أصالتها. وهذا يعني أنه لا مناص من ناظمٍ يتّصف بالرحمانية، وتكون غايته الوصول بالكثرة الانسانية الى المشاركة الخلاقة في الخير العام. وذلك لا يُحصّل الا متى كان لكل فرد حظّه من الحرية. أي أن يحظى بفرديته من دون أن يشعر بالاستلاب؛ خصوصاً حين يتنازل طوعاً عن قسط من "أنانيته" للنظام الذي يتولى حفظ ما هو خيّر فيه. فالشيئ المهم الذي ينجزه "الناظم الرحماني" - بما هو حافظ للفرد والجماعة-  هو ما يمكثُ في تسييل أحكام العقل دفعها باتجاه ملء مناطق الفراغ. فالفراغ معادل للجهل، وهذا الأخير هو مصدر كل عنف والغاء واقصاء... كما أنه يجرد الحرية من رحمانيتها، ويرمي بالاجتماع البشري في جحيم التذرر والفوضى القاتلة.
نعود الآن الى أصل القضية: لنسأل عن السبيل الذي يأخذ بيدنا الى ذلك الصراط من الحريات المقيدة برحمانية القانون.
لقد وجدنا أن نؤسس الجواب على ما نسميه ب"أخلاقية الحوار". وهذه قاعدة تفضي الى رؤية الغير بعين التبصّر الخلقي. ثمّ تنتهي الى اللقاء به ك"وليّ حميم". على أنّ مقتضى التبصّر الخلقي، هو أن نرى الى الغير بما هو ذاتنا من وجه مختلف. ووجه الاختلاف هنا ضروري لكل حوار منتج وخلّاق. اذ من  دون هذا النوع من الحوار تنتفي الوجهة المنطقية التي ينبغي لأي فريق أن يتخذها سبيلاً هادياً بمنأى من العدوانية والايذاء والعنف
حين يُستأنف السجالُ على نشأة العنف، لا يعود ثمة متَّسع للدفع الرحماني نحو الخير العام. وفي عالم يكتظ اليوم بما لا حصر من عوامل النزاع، يفيض التساؤل عما يمكن ان يصير اليه معنى الحوار وجدواه. ثمة ايضاً من يمضي بالسؤال عن احتمال نشوء ما يمكن تسميته بـ«أممية للحوار»، تتأسس من المرجعيات العليا للأديان التوحيدية، ومن قوى المجتمع المدني، والنخب الفكرية والثقافية في الشرق والغرب. .
  هل تنشأ مثل هذه الأممية الحوارية، بحيث يكون ذلك حفراً لمسار ، يعيد الاعتبار لنظام القيم والأخلاق في العالم، ويكون له تالياً، فاعلية إحداث توازن مع صانعي الشأن الدولي لمنع الحروب، ومكافحة الأوبئة، وصون حق الإنسان في الحياة والوجود؟
الذين عاينوا تحولات العالم الجديد، يؤثرون الأخذ بالحوار، كمدخل لاستواء التواصل بين المختلفين، على أرض الوحدة. يرجع الأمر في ذلك إلى تصورات مسبقة تقوم في الغالب الأعم، على الشعور بأن العالم الذي يقترب من نفسه، لا بد له من أوعية اتصال تنتظم أطواره، وتستعيد وحدته على نشأة أخرى. لقد بدا وكأن القرن الحادي والعشرين الذي وُصف بأنه قرن التوحيد العالمي، هو الأكثراستدعاءً للحوار والتواصل مما كانت عليه حال القرن المنصرم. وثمة من ذهب إلى أن الصورة لم تلبث إلا قليلاً على شائعة التوحيد، حتى يعود العالم ليسكن أحياءه المغلقة. ثم ليتبيّن لكثيرين كيف استيقظ عصب التحيُّز، ليغدو في خلال وقت قصير، الفاعل الأعظم في إعادة تشكيل نظام القيم.
  تفترض الصورة إذاً، مقاربة للحوار بوصف كونه مسعى لتعرِفَ الذاتُ صورتها، وفي الآن عينه، لكي تتعرَّف الى صورة الآخر كنظير لها في الأخوَّة الانسانية.  ضمن هذا المحل من الفهم - لا يبدو الغير إلا ما تنطوي عليه الذات من قيم لتبلغ تمامها. فالحوار في هذه المنطقة المعرفية، إنما هو صيرورة الأنا إلى الغير، حتى لَتنبسطا معاً، وبواسطة التحاور على الرضى والقبول.
  لكن المقاربة تفترض فوق ذلك، اكثر من مجرد حوار حول قضية ما. انها تفترض تحويلاً معرفياً وأخلاقياً للشائعة التي تقوم على تلك الثنائية المتنافرة: الأنا/ الآخر. كأن يصير الكلام على واحدية الأنا / الغير تظهيراً لمنحى جديد في فلسفة الحوار. ذلك أن الغير هو بالفعل هذا الآخر الذي يمكث فينا، ولا نملك ان نفارقه قط. وهو نفسه الذي سنعقد وإيَّاه صلات هي أقرب إلى محاورات داخلية منها إلى تناظر برَّاني. وإذ يتحصَّل ذلك، يغدو التحاور ضمن واحدية الأنا / الغير بديلاً من السجال العدمي الذي غالباً ما ينبني على فرضية حضور الآخر كنظير سالب للذات. وبهذا يصبح الآخر هو الجحيم على ما كان لاحظه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، في غير مناسبة.

مفكر وباحث في الإجتماع السياسي
كتاب
Designed and developed by Web Perspective
© Khabar Online